الشوكاني

383

فتح القدير

لكلامه ، والتصدي الإصغاء . قرأ الجمهور " تصدى " بالتخفيف على طرح إحدى التاءين تخفيفا ، وقرأ نافع وابن محيصن بالتشديد على الإدغام ، وفي هذا مزيد تنفير له صلى الله عليه وآله وسلم عن الإقبال عليهم والإصغاء إلى كلامهم ( وما عليك أن لا يزكى ) أي أي شئ عليك في أن لا يسلم ولا يهتدي ، فإنه ليس عليك إلا البلاغ ، فلا تهتم بأمر من كان هكذا من الكفار ، ويجوز أن تكون ما نافية : أي ليس عليك بأس في أن لا يتزكى من تصديت له وأقبلت عليه ، وتكون الجملة في محل نصب على الحال من ضمير تصدى . ثم زاد سبحانه في معاتبة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ( وأما من جاءك يسعى ) أي وصل إليك حال كونه مسرعا في المجئ إليك طالبا منك أن ترشده إلى الخير وتعظه بمواعظ الله ، وجملة ( وهو يخشى ) حال من فاعل يسعى على التداخل ، أو من فاعل جاءك على الترادف ( فأنت عنه تلهى ) أي تتشاغل عنه وتعرض عن الإقبال عليه ، والتلهي التشاغل والتغافل ، يقال لهيت عن الأمر ألهى : أي تشاغلت عنه ، وكذا تلهيت ، وقوله ( كلا ) ردع له صلى الله عليه وآله وسلم عما عوتب عليه : أي لا تفعل بعد هذا الواقع منك مثله من الإعراض عن الفقير ، والتصدي للغنى والتشاغل به ، مع كونه ليس ممن يتزكى عن إرشاد من جاءك من أهل التزكي والقبول للموعظة ، وهذا الواقع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو من باب ترك الأولى ، فأرشده الله سبحانه إلى ما هو الأولى به ( إنها تذكرة ) أي أن هذه الآيات أو السورة موعظة حقها أن تتعظ بها وتقبلها وتعمل بموجبها ويعمل بها كل أمتك ( فمن شاء ذكره ) أي فمن رغب فيها اتعظ بها وحفظها وعمل بموجبها ، ومن رغب عنها كما فعله من استغنى فلا حاجة إلى الاهتمام بأمره . قيل الضميران في إنها ، وفي ذكره للقرآن ، وتأنيث الأول لتأنيث خبره . وقيل الأول للسورة ، أو للآيات السابقة . والثاني للتذكرة لأنها في معنى الذكر ، وقيل إن معنى " فمن شاء ذكره " فمن شاء الله ألهمه وفهمه القرآن حتى يذكره ويتعظ به ، والأول أولى . ثم أخبر سبحانه عن عظم هذه التذكرة وجلالتها فقال ( في صحف ) أي إنها تذكرة كائنة في صحف ، فالجار والمجرور صفة لتذكرة ، وما بينهما اعتراض ، والصحف جمع صحيفة ، ومعنى ( مكرمة ) أنها مكرمة عند الله لما فيها من العلم والحكمة ، أو لأنها نازلة من اللوح المحفوظ ، وقيل المراد بالصحف كتب الأنبياء ، كما في قوله - إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى - ومعنى ( مرفوعة ) أنها رفيعة القدر عند الله ، وقيل مرفوعة في السماء السابعة . قال الواحدي : قال المفسرون : مكرمة يعنى اللوح المحفوظ ( مرفوعة ) يعنى في السماء السابعة . قال ابن جرير : مرفوعة القدر والذكر ، وقيل مرفوعة عن الشبه والتناقض ( مطهرة ) أي منزهة لا يمسها إلا المطهرون . قال الحسن : مطهرة من كل دنس . قال السدى : مصانة عن الكفار لا ينالونها ( بأيدي سفرة ) السفرة جمع سافر ككتبة وكاتب ، والمعنى : أنها بأيدي كتبة من الملائكة ينسخون الكتب من اللوح المحفوظ . قال الفراء : السفرة هنا الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين الله ورسوله ، من السفارة وهو السعي بين القوم ، وأنشد : فما أدع السفارة بين قومي * ولا أمشي بغير أب نسيب قال الزجاج : وإنما قيل للكتاب سفر بكسر السين ، والكاتب سافر ، لأن معناه أنه بين ، يقال أسفر الصبح : إذا أضاء ، وأسفرت المرأة : إذا كشفت النقاب عن وجهها ، ومنه سفرت بين القوم أسفر سفارة : أي أصلحت بينهم . قال مجاهد : هم الملائكة الكرام الكاتبون لأعمال العباد . وقال قتادة : السفرة هنا هم القراء لأنهم يقرءون الأسفار . وقال وهب بن منبه : هم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم . ثم أثنى سبحانه على السفرة فقال ( كرام بررة ) أي كرام على ربهم كذا قال الكلبي . وقال الحسن : كرام عن المعاصي ، فهم يرفعون أنفسهم عنها . وقيل